الأب الياس مرقص التماعات أنطاكيّة .!. (٢٠)

الأرشمندريت توما بيطار Sunday February 21, 2021 46

جلستُ إلى مكتبي، الأسبوع المنصرم، وكان في نيّتي أن أختم سلسلة مقالات “التماعات أنطاكيّة” بكلمة في موضوع القداسة وما إذا كان الأب الياس، في منظورنا، قدّيسًا أم لا. لكنّ ثمّة ما منعني!. تمرّد قلمي حتّى عييت!. فقلتُ: ليس هذا أوان الرّضى!. فبحثت عن بديل، وكان البديل مقالًا عن الأب الياس من الأرشيف بعنوان “… ويرتحلون، الأحبّةَ”، فدفعتُه إلى زاوية “نقاط على الحروف”، وانقضى الأمر بسلام.
هذا الأسبوع، أطرح، بعون الله، أمرًا آخر: سرَّ الأبوّة الرّوحيّة لدى الأب الياس في إطار الخصوصيّة الأنطاكيّة.
لم أعرف الأب الياس أبًا روحيًّا بالمعنى المتعارَف عليه في الرّهبانيّة، في العالم الأرثوذكسيّ، اليوم. لا في ديره ولا في علاقته بالمقبلين إليه، أبناءً. ما كان تراثيَّ الشّكل، لكنّه، بكلّ تأكيد، كان تراثيَّ المضمون، على نكهةٍ محلّيّة. كانوا، في البدء، يتلمّسون طريقهم. هذا صحيح. لكنّه صحيح أيضًا أنّهم كانوا من النّسيج الوجدانيّ لهذه الدّيار!.
ماذا أعني بذلك؟. الطّاعة الرّهبانيّة أساس لا تثبت رهبانيّة من دونه. هذه تأتي، في العادة، من خيار يلتزمه طالب الرّهبنة. هذا الخيار يحتّم، مبدئيًّا، السّلوك في الطّاعة قلبًا وقالبًا. الرّهبنة، كخيار، عندنا، تيسّرت. تيسّرت، كخروج من العالم، التماسَ الالتصاق بالله ومسيحه، لا سيّما في الهدوء والعمل والصّوم والصّلاة، وما شاكل ذلك. موقع الطّاعة، في هذا المشروع، مؤكَّد، طبعًا، عندنا، لكنّ تعاطيه، على أرض الواقع، لا يعدو، والحقّ يُقال، كونَه نظريًّا، بالأكثر، وتاليًا شكليًّا، أو مجتزَأً!.
الطّاعة للسّيّد الرّبّ الإله، في شخص الأب الرّئيس، مُعطًى مقبول، عندنا، في القول، لكنّ السّلوك فيه تعيقه مزاجيّةٌ حادّة تستبدّ، بعامّة، بنا!. لا مزاجيّة نفسانيّة فردانيّة، بقدر ما هي مزاجيّة جماعيّة تراثيّة!. الوجدان التّاريخيّ للإنسان، في هذه الدّيار، يميل، بالأكثر، إلى الذّاتيّة، ولا أقول إلى الأنانيّة الصّارخة، أكثر بكثير ممّا يميل إلى الشّركويّة والإذعانيّة!. إرث الشّراكة، بالمعنى الرّهبانيّ الدّقيق للكلمة، ليس هو الغالب بيننا. أهذا لأنّ الرّهبانيّة الشّركويّة طال افتقادها، فلمّا يتلطّف بها المزاج المحلّيّ؟. ربّما، إلى حدّ ما. غير أنّ الواقع التّاريخيّ يشير إلى مزيّة خاصّة بأبناء هذه الدّيار!.
الواحد، بيننا، مستعدّ أن يبذل نفسه من أجل الآخرين، ولكن، بالحريّ، من منطلق ذاتيّ، أكثر منه من منطلق شركويّ!. الواحد، بعامّة، ليس برسم الامّحاء في الجماعة، وبها، ولو أكرمها ووقّرها، لكنّه مستعدّ، من بابٍ أولى، لأن يمّحي، وجهًا لوجه، بإزاء ربّه!. ميله، في إيمانه، متى مسّته النّعمة الإلهيّة، هو إلى التّشدّد والنّسك الشّخصيّ التّاريخيّ، والنّسك المتشدّد، وحتّى الغريب، منه إلى الحياة المشتركة!. دونك مثلًا “تاريخ أصفياء الله”، لثيودوريتوس القورشيّ، في نسك ونسّاك المدى الأنطاكيّ، في القرن الخامس الميلاديّ.
الشّركة الباخوميّة الرّهبانيّة، وهي من أوائل الرّهبانيّات المشتركة، جاءت من بلاد مصر، والباسيليّة من بلاد الكبّادوك، فيما جاء العموديّون، في الأصل، مثلًا، من أرجاء أنطاكية!. هذا له، بلا شكّ، دلالته. لَعَمري هذا موضوع مزاج جماعيّ!. في الزّمن الحديث، لم يرتبط اسم الأب إسحق عطالله بشركة رهبانيّة، لا هنا ولا في جبل آثوس، بل بالقدّيس باييسيوس الآثوسيّ، وبالسّلوك في النّسك، على غراره، وفي عهدته!. مزاج مسيحيّي مصر اتّكائيّ، فيما مزاج مسيحيّي أنطاكية، بعامّة، تفرّديّ!. نَفَسُ مصر، بالأكثر، رعائيّ قطيعيّ، ونفس أنطاكية، بالأكثر، ذاتيّ نبويّ!.
أنطاكية، إن صدقَتْ، موئلُ لاهوت كبير وتفسير كتابيّ سديد وطقوسيّة غنيّة. أمّا، إن شردَتْ، فموئلُ هرطقات عديدة!. لا أوعى من الأنطاكيّين، في التّاريخ، في ذاتيّتهم!. لا ينكسرون من أحد!. توقهم إلى الحرّيّة الذّاتيّة بلا حدود!. عنداء إلى المنتهى!. فقط متى افتقدتهم النّعمة الإلهيّة تجلَّوا، وفوق العاديّين من النّاس!. الأنطاكيّون، اليوم، قليل عددهم، لكنّهم آتون من تاريخ طبع الأمبراطوريّة البيزنطيّة، وحتّى المسيحيّة، بعامّة، شرقًا وغربًا، بطابع مميّز، عبر المدرسة الأنطاكيّة، في الفكر، في الموعظة، في النّسك، في الأدب الكنسيّ، في اللّيتورجيّات… أنطاكية المدرسة، في التّاريخ، رِجلاها على الأرض، قلّما تسرح في الخيال، كما يميل وجدان مصر…
ويتمثّل هذا التّوجّه، على أحدّ ما يكون، ونحن صغير عددنا، إذ يقترن توقنا إلى الكِبَر بمزاج تفرّديّ نبويّ، ويتداخل بإرث تاريخيّ كنسيّ، هذا مداه، يجعل الأنطاكيّين، أفرادًا، وجوهًا، ولا أقول جماعةً، كمَن لا يسعهم العالم!. أفقهم، في ما لله، ولا أوسع، أو يسقطون في تفه ما بعده تفه، حتّى لَيتناطحوا، في إطار الفكر الواحد، حتّى الكراهية وإلغاء بعضهم البعض!. هذا عيبهم؟. بلى!. ولكن، تلك موهبتهم أيضًا!. والفاصل لا يستبين إلّا بروح الله!.
بالعودة إلى الأبوّة الرّوحيّة والأب الياس، قلّما كان رهبان ديره يطيعونه. يطيعونه جزئيًّا!. ولا هو سعى لأن يفرض طاعته عليهم إلّا جزئيًّا رأفةً بهم!. كان واضحًا لديه أنّهم كذلك لأنّهم لا يستطيعون أن يطيعوا أكثر من ذلك!. هذا ليس عن زغل في الإرادة، بل عن ثنية خاصّة في المزاج!. مع اختلاف في الدّرجة، طبعًا، بين الواحد والآخر!. بعض النّفوس أرقّ من سواها!. كان الأب الياس، بين الجِدِّ والمِزاح، يقول: هناك راهب واحد يطيع في هذا الدّير!. أنا!. ولكن، هذا لم يعنِ أنّ رهبان الدّير كانوا طارِئين!. كلّا أبدًا!. جُلُّهم كان جبّارًا ومجاهدًا!. الأب أنطون؟. جلمود صخر!. الأب أغابيوس؟. تحوّل كلّه في أيّامه الأخيرة إلى صلاة!. الأخ خليل؟. حدل نفسه وحدله ربّه حدلًا!.
كان الدّير جملةً من الحالات الخاصّة، ولمّا يكن شركة بالمعنى الصّارم للكلمة!. هذا عيب كبير؟. لا أظنّ!. فقط من فئة أخرى!. هذا واقع وجدانيّ في حلّة محلّيّة معاصِرة!. في الحالات غير العاديّة، الواحد مبذول للكلّ، وفي الحالات العاديّة تطغى القناعاتُ الشّخصيّة الطّاعة!. لَعمري، ما حفظ وحدة الدّير لا كان قانونًا ولا نمطًا رهبانيًّا محدّدًا، بل شخص الأب الياس ومرونته في تعاطي ما يمتّ، في آن، إلى القواعد والقوانين الرّهبانيّة التّراثيّة، وإلى المزاج المحلّيّ الأنطاكيّ!. على هذا، ترك الأب الياس نفسه نموذجًا، ولم يخلّف شركة متكاملة متكافلة!. أيشكّل ذلك خطرًا على استمرار دير الحرف؟. لا أظنّ!. التّصوّر أنّ الشّركة الرّهبانيّة المتراصّة هي الضّمانة وهي الجواب، في إطار الحالة الأنطاكيّة التّاريخيّة الوجدانيّة، ليس واقعيًّا!. عندي أنّ نموذج الأب الياس والإخوة الّذين كانوا معه – سمِّهم شركة أو لا تسمِّهم إن شئت– هو، بالأحرى، الضّمانة، لأنّه، إلى إشعار آخر، من نسيج واقعنا ووجداننا!. في دير الحرف، اليوم، مجاهدون!. الطّارئون يتساقطون بعد زمن أو زمانين!. أيحتاج المرء لأن يتعلّم رقصة لا تأخذ في الاعتبار قدرته على التّمايل؟. خشيتي أن يستبين أعجز، لطبيعة وجدانه، من أن يستنسخ ما هو لغيره، ويضيّع، في آن، ما هو من تراثه المحلّيّ!. يقيني أنّ مدى الحياة الرّوحيّة أرحب من أن يَحدّ المرءُ نفسَه بممارسة، هناك أو هنالك!.
ما دام المرء يدرك أنّ الحاجة هي إلى واحد، فالأهمّ أن يعي، في كيانه، هذه الحاجة، يتبنّاها ويسلك فيها، ولكن وفق ما توحي له به النّعمة الإلهيّة، وما هو من الوجدان التّاريخيّ فيه!. رجاؤنا أن ينمو نموذج دير الحرف على سجيّته!. يستنير ونستنير بما عند سوانا، بلا شكّ، لكنّنا لا نهتمّ بنقل أيّ شيء كأنّنا لوح ممسوح!. لا نحن معاقون ولا نحن قاصرون!. فقط تأخّر نموّنا، على هذا الصّعيد، لأسباب تاريخيّة، كطفل انعقد لسانه إلى سنّ الخامسة، وفجأة خرج يتكلّم دفعةً واحدة!. الكلّ موجود فينا إلى أن يخرج إلى التّعبير، بإذن الله!. لسنا بحاجة إلى نسخ أحد: لا “ييروندا” ولا “ييرونديسا”، مع الاحترام الكامل لتراث سوانا، في إطار بحثنا عن شهادتنا الخاصّة!. الاحتقار الذّاتيّ لواقعنا التّاريخيّ، وكأنّنا، تراثيًّا، سِقْطٌ، غيرُ مقبول ولا مُبرَّر!.
طلب الأب الياس، بصورة عفويّة، أن يتعلّم من سواه. تعلّم من الأب أندريه سكريما وتعلّم من سواه. لكنّه وعى، في آن، أنّ له شخصيّته التّاريخيّة وشهادته الخاصّة!. لذا، كانت له التماعاته ولو لم تتمأسس!. المؤسّسة، بالأكثر، تقتل!. الضّمانة في الالتصاق بالشّخص المستنير!. دير الحرف، في نشأته، كان وعدًا نبويًّا في أنطاكية المتعَبَة!. الأب الياس استحال، لأنطاكية، خميرة!. لا أظنّ أنّ أحدًا من الّذين نحوا، في هذا الاتّجاه الدّيريّ أو ذاك، في ما بعد، لم يساهم دير الحرف في انقداح وعيه الرّهبانيّ!.
وكما تعاطى الأب الياس الأبوّة الرّوحيّة، داخل الدّير، على النّحو الّذي أسلفتُ، هكذا تعاطاه، بعامّة، في علاقته بالمقبلين إليه، أبناءً وبناتٍ، المعترفين، المسترشدين لديه. احترامه لشخصانيّة كلّ واحد وفرادته كان فائقًا. لم يفرض نفسه، يومًا، على أحد. لكنّه جعل نفسه في خدمة الجميع ولمّا يجعل أحدًا، عن قصد، امتدادًا له. لم يكن همّه لا أن يكون له أتباع ولا أن يشكّل حزبًا في الكنيسة يردّد مقولاته. كان يعرف سرّ الامّحاء لأنّه تعاطاه بألم كبير، ولكن بإصرار فائق، في علاقته بالله.
كان الأب الياس يحبّ بصدق ويتابع الآخرين بصدق. لم يحسب أحدًا مدينًا له في شيء. ربّى على حرّيّة الضّمير. حرّيّة ضمير الآخر كانت لديه أرضًا مقدّسة لا يشاء أن يطأها لئلّا يعثر أحدًا في خصوصيّة علاقته بربّه. تكفيه وقفة يوحنّا المعمدان وأن يسمع بفرح صوت العريس يدعو الأحبّة!. كان حاضرًا، يعين، يساعد، يشير، ينبّه، لكنّه كان يعرف الحدّ الّذي كان عليه أن يقف عنده!. يسمع جيّدًا. بالأحرى، يسرع إلى السّماع ويبطئ في الكلام ويقلّل منه. أبٌ لَمِحٌ، خبير في اللَّطَف!. يجعل، برويّة، ما يريد أن ينقله لغيره، مستساغًا، سهلَ الهضم، لينتفعوا!.
لم يحبّ الأب الياس أن يصدم أحدًا أو أن يتهدّده!. يعرف الكثير، لكنّه لا يجعل كلّ ما يعرفه موضوع حديثه إلى المعنيّين بالأمر!. بالأحرى، كان يحمل كلّ شيء على محمل الصّلاة. يبكي مع الباكين ويفرح مع الفرحين، هذا بالمعنى الدّقيق للكلمة. يدفع الآخرين إلى الأمام، ويهتمّ بأن يقف بعيدًا على ابتسامة ودمعة!. همّه أن يرضى مَن سكب نفسه من فوق!. يرضى أن يغادره الجميع وأن يبقى وحيدًا، لأنّه لا يكون، إذ ذاك، وحيدًا، بل الآب معه، لفرح الأحبّة وخلاصهم!. لعينك، يا معلّم!.
وكثيرًا ما كان الأب الياس يسمع ويسمع ترّهات المقبلين إليه. يطيل أناته عليهم عساه يريحهم ممَّا انشحنت به نفوسهم. النّاس بحاجة لأن يتكلّموا وبحاجة أيضًا لمَن يسمعهم. قلّة تسمع ولكن ما يناسبها. الأب الياس كان يسمع كما من دون حساب!. أليس ربّك السّمّاعَ الأوّل؟. أمّا الّذين يطلبون الأصالة لديه، أقصد لدى الأب الياس، فكانوا ينتفعون نفعًا جزيلًا!. هذا رجل لكلّ الفصول. هذا رجل لكلّ المناسبات. هذا رجل لكلّ هموم النّاس. إن لم يكن لديه ما يقوله، كانت دموعه تقول ما يلزم!. الأب الياس مصنع رجال لمَن يرغبون في أن يكونوا رجالًا لله!. أليس الرّجال في الرّوح هم الّذين يصنعون الرّجال؟. أكثر من ذلك أنّه يعطيك ولا يحاسبك ولا يتوقّع منك شيئًا إلّا أن تكون مرضيًّا لربّك، لعلّ ربّه يرضى عنه!. الكبار خطيئتهم أمامهم، في كلّ حين، كبيرة!. كلّما زاد إحساسهم بها زاد عطفهم على العباد، لأنّهم يعلمون أنّ المحبّة تستر جمًّا من العيوب، لا بل كلّ العيوب!. “هذه غُفر لها كثيرًا لأنّها أحبّت كثيرًا”!. تبارك الله!.
هذه مدرستنا. هذه مدرسة الأب الياس. هذا هو الأب الياس المدرسة…
… لتستمرّ القصّة!…

الأرشمندريت توما بيطار
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسيّ
الأحد 29 أيلول 2019

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share