الأرشمندريت إلياس الراحل إلى السماء

الأب يوحنّا التلّي Sunday February 21, 2021 44

الأب يوحنّا التلّي

يوم الجمعة الواقع فيه الخامس والعشرون من شباط 2011، ودّعتُ الراحل إلى السماء بالمشاركة في الصلاة على روحه الطاهرة. وحَظيتُ بنيل التبرّكِ في تقبيلي يده التي كانت أكثر طراوة من أيدي البشر العائشين. ربّما لأنّ هذه اليد حملت الإنجيل الكنسيّ والقربان المقدّسَ لسنوات طوال، فصارت ليّنة من كثرة لمسات المسيح لها، واغتذت من معين الجسد والدم اللذين جريا في عروقها.

هي يدُ الأرشمندريت إلياس (مرقص) التي ستحافظ على تلك الطراوة طالما أنّ صاحبَها مقيم مع المسيح، بفضل الإنجيل كلمة الحياة الدائمة.

وإن كان مجرد لثمي يده استولى عليَّ كلُّ هذا، فكم بالأحرى إن تكلّمت على شخصه. إنّه، كما يصفُ لنا الآباءُ القدّيسون أمثاله، شخص تعلو قدماه عن الأرض في أثناء الصلاة.

بوداعنا اليوم، أنهينا عرسًًا، فيه فرح، وإشراقة بهيّة، ما أنطفأ بهاؤها، ولن ينطفئ بخاصّة عندنا نحن المحظيّين المحتفلين، الذين شاركوا في احتفال العرسِ الذي طغى على ألم الوداع.

بعد هذا العرسِ، عدت إلى ديري، وفي قلاّيتي بدأ الصراع. صراع خطوط كانت كلمات أحرفها متوهّجة بنار الروح، لتقول واحسرتاه إنّ مجلس أبي، المتوحّد إلياس، عاد غير موجود. فيجيبُها صوت آت من الروحِ إلى أعماقي، قائلاً: لا، بل يا فرحي، إنّه موجود في حضور لا غياب له عبر الذكرى المقدّسة التي ينقلها صوته الكامن في أعماق نفسي، ويحوِّله ليصير، كما لو أنّه حيّ. فانتشيت من الفرح، وصرخت: “المسيح قام”.

ومع استنارةِ صباح جديد، قرأت في نشرة لابنٍ من أبناء الأرشمنديت إلياس قولاً وداعيًّا للراحل القدّيس، أصابني لدى لفظِه (خوفٌ ورِعْدةٌ)، يقول فيه: “فشلتُ في حياتي. ولا أريد أن أفشل في مماتي”. ردّدت هذا القول كما اللازمة في نشيد الكون، تصاحبها قشعريرة اهتزَّ لها كياني بكامله، ولا أدري السبب. هل، يا ترى، لأنّه كان مثلاً أعلى لي؟ وإن كان قد فشل في حياته، فأين أنا من الوجود؟ أنا الذي أريد أن أكون ناجحًا في حياتي ومماتي، ولكن هيهات من تحقيق هذا المثال!!

في غمرة هذا القول، نسيت نفسي، ومنعني فكري القاصر من الارتقاء إلى مصداقيّة هذا القول. تعبت، فارتميت في أحضان المسيح مناديًا اللَّه عبر روح أبينا إلياس، الحاضرة معي، كما هي روحٌ حاضرةٌ مع كثيرين، واستنجدت اللًّه قائلاً: »أغثني«. وأتت الاستغاثة من اللَّه في عليائهِ تقول لي: هذا القول الذي ودّع فيه أبونا الياسُ دنياه هو قول “نبيّ” والنبوءةُ نعمةٌ من اللَّه آتية بلغة بشريّة. فقلت لنفسي (آهٍ يا لفرحي حقًّا المسيح قام). ثمّ صلّيتُ ممتلئًا بالرضى على ما قدّمه حدْسيَ الروحيّ، متذكّرًا كلامَ الكتاب واصفًا النبيَّ: “وأمّا من يتنبأُ، فيكلم الناسَ ببنيانٍ… ويبني الكنيسة (1كورنثوس ١٤: ٤ و١٢). فالبنيانُ، هنا، ليس من الكلام الظاهريّ لهذا الفشل، بل خلف كلمة الناسِ يكمن عمق الغنى لسرّ النجاح.

ولكن، أين يكمن، إذًا، نجاح الأب المغبوط إلياس؟

صحيحٌ أنّه قد وصفَ فشلَهُ بروح تواضعه، لكنّ هذا الفشل يأتي بحسب الظاهر فقط، وكلّما استزاد من تواضعه، استزاد من فشله الظاهر. أمّا عدم الفشل في الممات، فهو سرٌّ. إنّه سرُّ الصليب الذي لدى حمل يسوع له ظهر فشلَه الظاهريّ، لينبلج بعدها نجاحه الحقيقيّ في قيامته. والأب إلياسُ لم نره يومًا بدون الصليب إلاّ في عرسِ وداعه رأينا نور القيامة ينبلج من بهاء شخصه.

هذا ما التزم به الأب إلياس منذ مطلع شبابه، قارعًا طبول الحرب، التي لم تتوقّف حتّى الآن، وممسكًا بيده الورقة الرابحة، وهي النضال حتّى الموت، مستعينًا بكشّاف الرؤية (أي اللَّه) الذي بنوره يضيء قلب من وضع نفسه أمام الناسِ أمثولة في عيش فضائلَ يقتدونَ بها، ليأتيه النصر الذي هو اقتناء الملكوت. فكانت الثمرةُ الأولى بترجمة (كتاب السلّم)، ليهتدي بمسيرته كلّ من يريد أن يسير على خطى المسيح بإرشاد الموجّه المستنير الأب إلياس.

وهنا لونٌ من ألوان فشله، عندما أراد لجميع أعضاء الكنيسة أن يسلكوا في درب الفضائل، فوجدهم متلهّين بأمورٍ أخرى. فصوته الخافت فشل في استقطاب ما طمحت روحه إليه. لكنّه تابع خطاه مع هذه القلّة من أصحاب القلوب الدافئة.

وهكذا تفوّض الأب إلياس، وفي هذا بدءٌ لعمله النبويّ، بأن استلم من اللَّه رسالةً يقول له فيها: “ها أنا أضعُ كلماتي في فمك، انظر. ها أنا قد أوليتُك… لتستأصل وتهدم وتبدّد وتقلب وتبني وتغرس” (أرميا ١: ٩- ١٠).

فانطلق، بدءًا من تموز 1941، في صراخ لا يسمعه إلاّ “من له آذان للسمع”. وهكذا بدأت شعلة لنهضة سبقت الاجتماع الأوّل للحركة المنعقد في السادسِ عشر من آذار العام ألف وتسعمائة واثنين وأربعين بنحو ثمانية أشهرٍ، لتشعل نارًا إلهيّة في جسد الكنيسة منهضةً إيّاه من تحت الرماد.

صباح السبت الواقع فيه الثاني من نيسان حيث صلاة الأربعين للأب إلياس، غادرت ديري إلى أكبر محجّ في كرسيّنا الأنطاكيّ، إلى دير الحرف، إلى عنوان النجاح.

وصلت، إلى الدير، لألتقي أولاده الكثر في سورية ولبنان من إكليروس ورهبان وعلمانيّين. فاشتركت معهم، وأعلنّا كلّنا من أجله بصوت واحد: (ليكنْ ذكرُهُ مؤبّدًا). وفي الدير، وزّعوا علينا ورقة تتضمّن حديثًا للأب إلياس ألقاه بتاريخ وفاته تقريبًا، ولكن قبل اثني عشر عامًا، عنوانه: (الآن أطلقْ عبدَك). فقلت واعجبًا، أكان منذ ذلك التاريخ يتأهّب للسير إلى الأمام، وهو حامل الرغبة والشوق للانطلاق؟!

هكذا عهدناه في كلِّ أيّام حياته، وبخاصّة في أيّامه الأخيرة التي صار فيها أكثر شفافيّة، فحياة القيامة هي الحياة الشفّافة التي نتدرّب عليها قبل وصولِنا إلى يوم العبور إلى حيث تبقى القبورُ فارغة.

أبتي، في خضمّ مناجاتي لك تذكّرت سؤالاً سألتني إيّاهُ في سبعينات القرن المنصرم، وأنت في عمق محبّتك وتواضعك لترفع من مقامي قائلاً لي كتلميذ يسأل معلّمه، “وأين لي أن أكون تلميذًا لك يا أكبر من كونك معلّمًا؟”. فخجلت، وما زال خجلي ممتدًّا حتّى اليوم، بل إنّني بعد صلاة الخامس والعشرين من شباط تحوّلت إلى كتلة من الخجل.

قلتَ لي حينها: “ما هو رأيك؟ أكنيستُنَا هي كنيسة تجلِّ أم كنيسة قيامة؟”.

إذا سمحت لي روحك الطاهرة يا أبانا إلياس أن أجيبك الآن، فأقول إنّك كنت أنت كنيسة تجمع في طيّاتها التجلّي والقيامة في وحدة هي الفرح بالمسيح التي قال عنها بولس الرسول: “افرحوا في الربّ دائمًا، وأيضًا أقول افرحوا” (فيليبّي ٤: ٤). فالتجلّي لديك فرح، والقيامة فرح، والمسيحيّة فرح. فالممتلئُ بالفرح من سكنى اللَّه فيه، وإن تألّم لسبب ما، فلا شيءَ قادر على أن ينزع الفرح منه. هذا الفرح هو الذي ساعدك على معرفة اللَّه والإنسان، وفوق هذا وذاك معرفة الذات تلك التي كنت متضلعًا منها، والتي كانت هبة من اللَّه إلى قلبك المستنير.

أخيرًا، أجمل ما في الدنيا أن يقول إنسان: “أنا أعرف شخصيًّا رجلاً قدّيسًا”. وأنا أتجرأُ على القول بعد شكري للَّه على تلك المحظية: نعم أنا أعرف وبثقة أنّ هذا القدّيس الذي هو الأب إلياس (مرقص) يصلّي من أجلي ومن أجل كثيرين في عالم الملكوت.

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share