لتكـن مشـيئتـك… أيّهـا الطبيـب!

د‫. ناظم باسيل Sunday February 21, 2021 167

د‫. ناظم باسيل

منذ ست عشرة سنة، اجتذبت محبّة »أبونا إلياس (مرقص)« مجموعة من طلاّب السنة الأولى في الطبّ العامّ إلى دير الحرف، كنت أنا بينهم، فكان أن رافقتنا محبّة الأب إلياس وصلواته إلى بقاع الأرض، بينما شاء اللَّه أن أرافقه أنا في الرحلة الأخيرة من الديرالذي أحبّ وإليه…

عاينته في الفترة الأخيرة من حياته في مستشفى القدّيس جاورجيوس، فكان، رغم أمراضه وآلامه الكثيرة، دائم الابتسام بشوشًا مبادرًا بالسلام، لم يعتكف ولم يرفض استقبال الناس معزّيًا إيّاهم بما استمدّه من كلمات الروح المعزّي، طاردًا عن نفسه كلّ مديح يطاله من محبّيه، نافيًا كعادته أيّ فضيلة نسبت إليه، داحضًا عذب الكلام ببسمةٍ وعبارة تعجّب كرّرها حتّى لازمته إلى حدّ الشهرة: »أنتم مغشوشون«!.. »أنتم مغشوشون«!..

بمقابل الصرامة التي جلد بها نفسه وجسده المريض، تفجّر الأب إلياس رحمةً وتساهلاً مع الآخرين، وتدفّق صلاة لأجلهم. اعتبر أنّه لا يعرف شيئًا على الدوام، وذهب بذلك إلى حدّ السخرية فالتباله تطرّفًا، فكان أن سحق نفسه طوعًا بعدم استحقاق تامّ معتبرًا أنّه غير أهل إلاّ لما طاله من آلام، وكان يُرجِع كلّ ألم وصعوبة تبادره إلى تكبّر أو علّة ما في نفسه !

حضوره السلاميّ جذب الفريق الطبّيّ بأكمله إلى الغرفة التي أقام فيها مسالمًا كالملاك، مرِحًا كمن لا همّ له، شاكرًا اللَّه وإيّانا بامتنان لجوج خالص، تائقًا لا لأن ينال تعزية، بل أن يُعزّي قاصديه، ملقيًا على نفسه تبعة تحمّل الناس ومحبّتهم، طالبًا صلاةً لأجله ممّن قصدوه لأجل الصلاة!… وفي كلّ هذا، كابد الآلام منفردًا، كمن نذر لنفسه نسكًا دائمًا وهو في عقر دار الأطبّاء، ولعلّ الاتّضاع كان الدافع الوحيد في توحدّه الطوعيّ لطلب المساعدة… كان حضوره السلاميّ في مجمّع الألم بشارة بحدّ ذاتها، إذ عهدناه، في خضمّ أوجاعه، متشبّثًا بمسبحته كالصاعد بها سلّمًا الى السماء!

كان همّه الشاغل واستفهامه الدائم بحضوري، لا عن صحّته كما هي حال مرضى العالم، بل عن موعد رجوعه إلى الدير، كان همّ »العودة« للقاء حبيبه هناك أكبر من كلّ علّة ومرض، لا بل أهمّ من الحياة وإن طالت ردحًا يسيرًا بعلاجٍ ودواء. كان يلحّ على أن نأذن له بالرجوع رغم خطورة وضعه الصحّيّ كما لو أنّ غربته عن قلاّيته البسيطة هي مكمن الداء، وأنّ الوجع الحقيقيّ هو ذاك الذي شدّه إلى حيث جاهد مشتهيًا أن ينطلق متفلّتًا من كلّ شيء للقاء الحبيب، وأنّ ما كتب الأطبّاء وما سيكتبون في ملفّه الطبّيّ مجرّد تفاصيل كان بالفعل يعرفها سلفًا، ولكنّها لا تقلقه، ولا تعنيه!

انطلق إلى الدير بعدما استبان سريريًّا أنّ وضعه الصحّيّ في استقرار. إلاّ أنّ ما بدى عليه من فرح الانطلاق حين أُذِن له بالعودة، كان قد حُجب عن إدراك الأطبّاء الذين لم يفهموا أنّه كان مزمعًا أن ينطلق إلى ديره الكبير في السماء بين غروب وشروق… وحده، وحبيبه المنتظر هناك في الدير، كانا يعلمان أنّ زمن المراوحة قد ولّى، وأنّ الأبواب الدهريّة قد فُتحت لاستقباله من بوابة الدير.

…وكانت الذروة أنّي كلّما دخلت عليه مفسّرًا أنّه سيُجرى له عمل طبّيّ ما، يبادرني بجواب طفوليّ متسرّع لا يشوبه أيّ تردّد »إعمل ما تريد، فأنا أطيعك!«… نعم! بموقف صغير كهذا، كان الراهب المحتضر يكرز بالطاعة الكاملة، السائرة بالنفس نحو الاتّضاع الأقصى، دواءً شافيًا من أسقام العناد البشريّ. قال »لتكن مشيئتك، أيّها الطبيب«… على أيّ طبيب تُراه كان يتكلّم؟؟!!…

قبيل الرحيل بأيّام، بخَلَ على نفسه بكلّ شيء، وزهد عن كلّ تعزية، حتّى الدمع الذي عاشره شاء له أن يحتجب، فيما أغلقت عيناه لا في غفوة، بل في صلاة سرّيّة مستمرّة نقلته بالروح إلى الدير الذي أحبّ، وجعلت من قلبه قلاّية لامنظورة حملها إلى المستشفى غفلة عن عيون الأطبّاء…

أسقط الراهب المتوحّد عن نفسه، في الأيّام الأخيرة، كلّ ما لا ينفعه في الرحلة الأخيرة، حتّى المشاعر والكلام الذي أجاده كان قد سقط. تنسّك عن كلّ شيء متوحّدًا إلى المنتهى. خلع عنه أقمصته الجلديّة العتيقة المتراكمة وصمَتَ صمتَ عارفٍ بما يحصل… لكنّي لم أعاين فيه صمت المقابر ولا صمت الخوف، بل ذاك الصمت البليغ الذي يخاطبك أكثر من كتب الطبّ ومن الكلام!

لتكن مشيئتك أيّها الطبيب… هذا التواضع الجانح إلى حدّ التباله كان له الدواء حينما لم ينفعه دواء، وفي نقلته النوعيّة الأخيرة طبّب الراهب المتوحّد المريض في نفوس أطبّائه وزوّاره وأحبّائه أشياءَ لا يدركها إلا قلائل ممّن عاينتهم من العابرين بالموت إلى لاهوت الفصح العظيم.

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share