عِظَةٌ حَوْلَ أحَدِ زَكَّا العشّار للمطران أنطوني بْلوم

mjoa Friday January 27, 2023 334
إنجيلُ اليومِ هو من جُملةِ الأناجيلِ الّتي رتّبتها الكنيسةُ لكي تُهيِّئَنا للصّومِ الكَبيرِ، وَالّتي تمهّدُ لنا سبيلَ تهيئةِ نفوسِنا، وكأنّها سُلَّمٌ تُصعِدُنا إلى لحظةِ اللّقاءِ وجهًا لوجهٍ بأعظمِ حقيقةٍ في التّاريخِ وأجَلِّ حدَثٍ، أَلاَ وهو قيامةُ الربِّ يسوعَ المسيح.
أودُّ أن أُلفِتَ انتباهَكُم إلى أَمرَينِ في إنجيلِنا الحاضر. زكّا كان صغيرَ البُنيةِ لكنّهُ أرادَ أن يَرَى المسيحَ، ولتحقيقِ مأْرَبِهِ تَسَلَّقَ الجُمّيزةَ لكي يُشاهِدَ الربَِّ، ويُعايِنَهُ وَجهًا لوَجهٍ. هذا حَدَثٌ مِن أحداثِ حياةِ المسيحِ، لكنّهُ أيضًا رَسْمٌ يُمكِنُنا الاستفادةُ منهُ. فنَحنُ كلُّنا صغارٌ، صغارُ البُنْيةِ الروحيّة. فقلوبُنا صغيرةٌ جدًّا وأذهانُنا صغيرةٌ جدًّا. ولو شِئْنا لقاءَ المسيح ومعاينَتَهُ كما هو، فيَجِبُ أنْ نتسلَّقَ عُلُوًّا ليس منّا، لكي نَرَى ما لا يُمكِنُنا رؤيتُهُ خلافَ ذلك. هذا العلوُّ الّذي يبدو بسيطًا وعاديًّا كالشّجرةِ الّتي تَسلّقها زكّا، ليس إلاَّ الكنيسة: الكنيسةُ بكلِّ تعليمِها، بكلِّ خبرتِها المعبَّرِ عنها لا بكلامِ العقيدةِ فحَسْب، بل بِمُجمَلِ النواحي التي تحيا مِن خلالِها. فحياتُنا المسيحيّة نحياها وتَشتَمِلُنا من كلِّ الزوايا.

كان زكّا قادرًا أنْ يَصنعَ ما نَصنعُهُ نَحنُ في معظمِ الأحيان: كان يُمكنُهُ أن يُكابِرَ أو أنْ يَزهُوَ أو أنْ يَستَنِدَ على مُقدَّراتِهِ. كان بإمكانِهِ أنْ يُفكّرَ – كما فَكّرَ ويُفكّرُ وسيُفكّرُ الكثيرون – ويقولَ لنَفْسِه أنّهُ ليس بحاجةٍ إلى المساعدةِ البسيطةِ المتوفّرة لديهِ، وأنّه قادرٌ أنْ يرتقِيَ إلى الأعالي. لكنّ زكّا لَمْ يُغلَبْ بالعُجبِ، بالكبرياءِ، لأنَّ شيئًا ما حَصلَ لَهُ، وهذا الشيءُ حَتَّمَ عليه اللّقاءَ بالمسيح. لقد بَلَغَ زكّا حدَّ النُّضج! وفي تلك اللّحظةِ بالذّات، وسنَعلَمُ نَحنُ أيضًا عندما تأْتينا هذه اللّحظةُ المؤاتيةُ، صار زكّا، وسنَصير نَحنُ أيضًا مِثْلَهُ، مُستعدِّين لا لمواجهةِ الانتقادِ والكراهيةِ والمقاومةِ فحَسب، بلْ سُخريةِ أنْ نُصبِحَ مُختلِفِينَ عن مُحيطِنا، وأنْ نتصرَّفَ بما يُخالفُ بيئتَنا الطبيعيّة.
لقد كان لزكّا مَركزٌ مَرموقٌ، يُشبِهُ ما نسمِّيهِ اليومَ مديرَ مَصرفٍ، ومع ذلك لَمْ يَخَفْ ولَمْ يَخجَلْ منِ استهزاءِ الجَمْع، لأنّهُ كان مُستعِدًّا أنْ يتخطّاهُ إلى ما هو أَبعَد. كان هَمُّهُ البالِغُ أنْ يَلْتقيَ المسيحَ، فلَمْ يأْبَهْ بهؤلاءِ الذينَ لَمْ يَبلُغُوا بتفكيرِهِم مرحلةَ نُضجِهِ ولَوْعَتِهِ إلى الأبديّة. والمسيحُ رآهُ وحدَهُ، مِن بينِ كلِّ الجموعِ، لأنّهُ هو وحدَهُ تَخَطَّى عُجْبَهُ وكبرياءَهُ لِلُقْياهُ. لقد قرأْنا هذا التخطّي في آخِرِ كلماتِ هذا النصِّ الإنجيليِّ، إذْ كان زكّا مُستعِدًّا أنْ يُصلِحَ حياتَهُ لكي يَستأْهلَ هذا الضيفَ الماكِثَ في بيتِهِ.
ألاَ تُعلِّمُنا هذه الصّوَرُ والرّموزُ، الواحدةُ تلوَ الأُخرى، دروسًا مُهمّة؟ بالحقيقة نَحنُ صغارٌ، ومع ذلك نفضِّلُ أن نَنتصبَ متشامخِينَ بكبريائِنا، بعُجْبِنا، بعَمانَا، بدلَ أنْ نَستَغلَّ خبرةَ الأجيالِ السّابقةِ في الأمورِ التي لا نَفقهُها والأشياءِ التي تبدو بسيطةً ولكنّها بعيدةٌ كلَّ البُعدِ عمّا نَصبُو إليهِ، لأنَّ ما نَبحثُ عنهُ دائمًا هو عظَمَةُ بُنيتِنا الصّغيرة بدلَ أنْ نُفتِّشَ عنِ الخلاصِ المحيطِ بنا حيث نَحنُ. هذا العُجْبُ وهذِهِ الكبرياءُ يَصدَّانِنا. ألاَ ينبغي أنْ نتعلّمَ كيف نَهزمُهُما؟ لا يُمكِنُ التغلُّبُ على هاتينِ الرّذيلتَينِ بالتأمّلِ البسيطِ أو التّفكيرِ أو حتّى بالصّلاة فقط، بل عندما نَحتقرُهُما كما يَحتقرُنا البعضُ، حينئذ يُمكِنُنا التغلُّبُ عليهِما، لأنّهُ إذْ ذاك سننتصبُ أمامَ دينونةِ اللهِ فقط، ودينونةِ الحقِّ الذي يَنطقُ بِهِ ضميرُنا.
وفي النّهايةِ، إذا أَرَدنا أنْ نَشهدَ بالحقِّ لأجلِ هذا الاشتياقِ وهذه اللَّوعةِ إلى اللهِ، ينبغي لنا أنْ نكونَ مُستعدِّينَ للعملِ، وأنْ نلتمسَ ما هو في متناولنِا. لقد وعدَ زكّا أنْ يُصلِحَ حياتَهُ، فهل نَحنُ مُستعدُّونَ أنْ نُواجِهَ حياتَنا في ظلِّ دينونةِ الله، فنُصلِحها ونتقبَّل الإذلالَ المُؤدِّي إلى التّواضع؟ هلَّا تقبَّلْنا أنْ نَعترِفَ بصِغَرِ بُنيتِنا الرّوحيّةِ والذِهنيّةِ والعاطفيّةِ وسواها، فنستفيدَ من المساعدةِ المقدَّمةِ لنا مِن حِكمةِ الأجيالِ التي قادتْ ملايينَ الناسِ إلى ملكوتِ الله؟
0 Shares
0 Shares
Tweet
Share