ثلاثيّة عيد الفصح (2) – يوم الخميس العظيم

الأخت لبنى فارس الحاج Wednesday April 12, 2023 270
1- الخميس صباحًا
يُدخلنا يوم الخميس العظيم في السرّ الفصحيّ.
تتميّز صلوات هذا اليوم بأربعة أحداث يذكرها سنكسار التريوديون:
1- الغسل الشّريف.
2- العشاء السرّيّ (أي تسليم الأسرار الرّهيبة لنا).
3- الصّلاة الباهرة العجيبة (في الجسمانيّة).
٤- تسليم ربّنا من يهوذا لأمّة اليهود.
يوم الخميس إذًا نتذكّر ساعات يسوع الأخيرة مع تلاميذه، وتسليمه ومحاكمته من قبل السّلطات اليهوديّة والرومانيّة. وبالتالي الموضوع الأساسيّ في هذا اليوم هو “المحبّة إلى المنتهى”:
“كان يسوع يعلم أنّ الساعة قد حانت لينتقل من هذا العالم إلى أبيه، هو الذي أحبّ خاصّته الذين في العالم، أحبّهم إلى المنتهى”(يو 13: 21). المحبّة إلى المنتهى تمتدّ إلى الموت، إلى كسر الجسد وإهراق الدم، هذه الحقيقة التي أعلنها يسوع في العشاء السريّ مع تلاميذه حيث أسّس سرّ الإفخارستيّا موصيًا إيّاهم أن يأكلوا جسده ويشربوا دمه ويصنعوا لذكره ما فعل هو في هذا العشاء الأخير. فالله يهب لنا ذاته مأكلا ومشربًا في المسيح. وهكذا نحن في كلّ قدّاس إلهيّ نتمّم ما أوصانا يسوع بفعله.
أ- صلاة السّحر
تكشف ترانيم هذا اليوم كيف يختلط النّور والظّلام، الفرح والحزن… هذا الاختلاط يُظهر أنّ ساعة ذروة المحبّة هي أيضًا ساعة ذروة الخيانة. يقول الإنجيليّ يوحنّا إنّه عندما كان التّلاميذ مجتمعين في العليّة ترك يهوذا النّور وذهب “وكان ليل”(13: 30)، ذلك أنّه أراد أن يُظهر كيف أنّ الظلمة تحكّمت فيه فانحرف عن محبّة خالقه وغرق في محبّة العالم الذي الثّلاثون من الفضّة صورة عنه.
هكذا يُطرح على كلٍّ منّا السؤال الحاسم: هل أقبل محبّة المسيح كحياةٍ لي أو أتبع يهوذا إلى ليله المظلم؟ هل حبّي للسيّد هو مثل حبّ يوحنّا الذي اتّكأ على صدره، أم أنّي مثل يهوذا أحبّ العالم وما في العالم، هذا الحبّ الذي يلقي صاحبه في اللّيل، في الظّلمة البرّانيّة؟
من جهة أُخرى يحذّر الربّ بطرس أنّه سينكره ثلاث مرّات قبل صياح الدّيك.
إنجيل السّحر يصفعنا إذًا بخبرَي خيانة يهوذا وإنكار بطرس: تلميذين من الإثني عشر! فنزداد يقينًا أنّ كلًّا منّا في أيّ موقعٍ كان، هو تحت الفحص دائمًا. فإمّا أن يغلق يديه وينصرف مع يهوذا هاربًا في اللّيل ويشنق نفسه، أو يعود مع بطرس فيبكي بكاءً مرًّا، وبذلك يُعمَّد بدموع التّوبة فيستحقّ أن يعاين القيامة.
ب- القدّاس الإلهيّ
يبدأ القدّاس بصلاة الغروب الّتي تشدّد فيها القطع الّتي تُتلى على “يا ربّ إليك صرخت” على خيانة يهوذا: “إنّ يهوذا العبد الغاش، التّلميذ المغتال، الصّديق المحتال، قد استبان من أفعاله، لأنّه كان يتبع المعلّم ويضمر بذاته التّسليم…”.
ثمّ نقرأ بعد الإيصودن ثلاث قراءات.
– القراءة الأولى: من سفر الخروج وهي تتكلّم عن حضور الله في جبل سيناء أمام شعبه. وكان موسى قد أوصى الشّعب أن: “كونوا مستعدّين لليوم الثّالث”، وكان الشعب قد غسلوا ثيابهم وتطهّروا. وهذه صورةٌ عن قيامة المسيح في اليوم الثّالث وعن ظهوره لتلاميذه بعد الفصح وعن حضوره بيننا في سرّ الإفخارستيّا، وعن الطّهارة التي علينا أن نتحلّى بها.
– القراءة الثّانية: من سفر أيّوب وهي تعرض محاورة الله أيّوب وجواب هذا الأخير: “إنّي نطقت بما لا أدرك، بمعجزات تفوقني ولا أعلمها”. المعجزات العظيمة تمثّلت في النّهاية بإعطاء المسيح جسده ودمه، وبصلبه وقبره وقيامته.
– القراءة الثّالثة: من النّشيد الثّالث من أناشيد العبد المتألّم الّتي نقرأها عند إشعياء النبي. هذه الأناشيد تتكلّم على شخصٍ مطيع لله يُسرّ الله بآلامه لأنّه عبرها يحصل الخلاص لكثيرين. نبوءات إشعيا عن هذا العبد المتألّم تنطبق على يسوع بصورة مذهلة، ما دفع الكنيسة إلى إطلاق لقب الإنجيليّ الخامس على إشعياء. ونقرأ في هذا النّشيد: “…بذلت ظهري للسياط، وخدّيّ للّطمات وما رددت وجهي من خزي البصاق عليه…”.
– الرّسالة: مأخوذة من الرّسالة الأولى إلى أهل كورنثوس حيث يتكلّم الرّسول بولس عن الاجتماع الإفخارستيّ، وعن عشاء يسوع الأخير مع تلاميذه حين أسّس سرّ الإفخارستيّا. وينهي كلامه بقوله:” كلّما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت الربّ إلى أن يجيء”.
– الإنجيل: يشعّ إنجيل قدّاس هذا اليوم العظيم بخبر أنّ الربّ إنّما هو محيي العالم بتقديمه لنا جسده ودمه المباركَين. إنجيل طويل يشرح عن العشاء الأخير وخيانة يهوذا والقبض على يسوع في البستان. هو يُرينا أن ليس من توبةٍ فعليّة لا يُنعشها قبول “سرّ الشركة” أبدًا.
ولذا عوض الشاروبيكون أي “أيّها الممثّلون الشاروبيم…”، ننشد “إقبلني اليوم شريكًا لعشائك السرّيّ يا ابن الله لأنّي لست أقول سرّك لأعدائك ولا أقبّلك قبلةً غاشةً مثل يهوذا…”. ونكرّرها قبل المناولة وأثناءها.
هكذا نحن اليوم نحيي تأسيس العشاء السرّيّ صباحًا في قدّاس القدّيس باسيليوس الكبير. هذا العشاء في معناه الأخير يدلّ على أنّ يسوع أعطى ذاته كطعامٍ حقيقيٍّ للإنسان لأنّ الحياة الّتي ظهرت فيه هي الحياة الحقيقيّة.
وإذا ما تعلّمنا في هذا العشاء التّواضع بغسل المعلّم أرجل التّلاميذ نرجوه نحن أن يمدّنا بتواضعه حتّى ننسحق أمام الاخوة حتىّ يعلو المسيح وحده.
إعداد الأخت لبنى فارس الحاج

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share