ثلاثيّة عيد الفصح (4) – يوم الجمعة العظيم

الأخت لبنى فارس الحاج Thursday April 13, 2023 301
 الجمعة صباحًا
أ- السّاعات الملوكيّة
صبيحة الجمعة العظيمة تتلى خدمة “السّاعات الملوكيّة” الّتي تأخذ محل القدّاس الإلهيّ. نحن نمتنع عن إقامة الذّبيحة الإلهيّة في هذا اليوم لأنّ يسوع نفسه يقدَّم على الصّليب ذبيحة حقيقيّة من أجل العالم.
عُرفت هذه الخدمة بـ”السّاعات الملوكية” لأنّ “الملك” أي المسيح نفسه قد طبع بمراحل آلامه هذه المحطات المميّزة من الصّلاة الطقسية. وخدمة السّاعات تضم أربع ساعات هي السّاعة الأولى والثّالثة والسّادسة والتّاسعة. وتتضمن كلّ ساعة ثلاثة مزامير، وقراءة من العهد القديم ثمّ رسالةً وإنجيلًا.
السّاعة الإولى
في السّاعة الأولى يُتلى المزمور ٢٢ الذي صلّى يسوع الآية الأولى منه على الصّليب: “إلهي، إلهي لماذا تركتني؟”. هذا المزمور يصف بصورة دقيقة ما حصل مع يسوع على الصّليب: “كلّ الذين يرونني يستهزئون بي. يفغرون الشّفاه وينغّصون الرأس قائلين اتّكل على الربّ فلينجّه…ثقبوا يديّ ورجليّ… يقسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون”. رغم أنّ هذا المزمور يبدأ بهذه الصّرخة الّتي تُظهر حزن المصلّي ويأسه لشعوره أنّ الله تخلّى عنه، إلاّ أنّ المصلّي في نهاية المزمور يدعو إخوته إلى تسبيح الربّ الذي خلّصه: “أُخبر باسمك إخوتي. في وسط الجماعة أسبّحك. يا خائفي الربّ سبّحوه…لأنّه لم يحتقر ولم يرذل مسكنة المسكين ولم يحجب وجهه عنه بل عند صراخه إليه استمع”.
هذا المزمور ممتلئ إذًا بالرجاء بخلاص الربّ رغم بدايته التي قد تُظهر عكس ذلك. من هنا نفهم أنّ يسوع كان يصلّي على الصّليب واضعًا كلّ ثقته بالله الآب.
وتشير القراءة من سفر زخريّا النّبي إلى الثّلاثين من الفضّة التي رُميت في الهيكل مثل فضّة يهوذا. فزخريّا كان الرّبُّ قد كلّفه أن يرعى الغنم، وإذ طلب إلى تجّار الغنم أن يعطوه أُجرته، أعطوه ثلاثين من الفضّة وهي ثمن العبد، رغم أنّهم كانوا يعرفون أنّ زخريّا كان يكلّمهم بكلمة الله. فقال له الله: “ألقها (أي الثلاثين من الفضّة) إلى الفخّاريّ ثمنًا كريمًا ثمّنوني به”. هذه النبوءة تحقّقت بيسوع الذي بيع بثلاثين من الفضّة، أي بثمن عبد، ألقاها يهوذا في النهاية في الهيكل.
اختيرت الرّسالة الى أهل غلاطية (6: 14-18) بسبب الآية الأولى منها: “حاشا لي أن أفتخر إلّا بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به صُلب العالم لي وأنا صُلبت للعالم”. طبعًا هنا نجد التركيز على أهميّة الصليب وعلى مركزيّته في حياتنا.
أما الإنجيل (متّى 27: 1-56) فيروي حادثة الآلام منذ المحاكمة أمام بيلاطس حتّى الهزّة الأرضية التي تبعت موت يسوع. وتربط حادثة ندم يهوّذا وشراء حقل الدم الإنجيل بالقراءة من زخريّا.
السّاعة الثّالثة
في الساعة الثالثة، يُقرأ مقطع من النشيد الثّالث من أناشيد عبد الربّ التي ذُكرت سابقًا (إشعيا50: 4-11) وهو يذكر الآلام وبالأخص الآية التالية: “قد بذلت ظهري للسياط وخديّ للّطمات وما رددت وجهي من خزي البصاق عليه، والربّ ربّي صار معيني. لهذا السبب لم استحِ…”.
تتكلّم الرّسالة إلى أهل رومية (5: 6-11) على الفداء: “إذ كنّا خطأة بعد مات المسيح من أجلنا… قد صولحنا مع الله بموت ابنه”. وبالطبع التركيز هنا على موت يسوع الخلاصيّ الذي صالحنا مع الله.
ويبدأ الإنجيل (مرقس 15: 16-41) عند وضع إكليل الشوك على رأس يسوع حتّى موته وإيمان قائد المئة.
السّاعة السّادسة
في السّاعة السّادسة، نقرأ نبوءة إشعياء النبيّ الشّهيرة (52: 13-54: 1) والتي تصف “العبد المتألّم”، وهذا هو النّشيد الرّابع من أناشيد عبد الربّ: “… صورته مهانة وناقصة أكثر من بني النّاس، إنسان إذ كان في جراحه ويعرف أنّه يحتمل وجعًا… هذا يحتمل خطايانا ويتوجّع لأجلنا… جُرح لأجل خطايانا وتوّجع بسبب آثامنا… ونحن بجراحه شُفينا… سيق كالنّعجة إلى الذّبح… كالخروف أمام الجزّار لم يفتح فاه… احتمل خطايا كثيرين وأُسلم لأجل خطاياهم…”.
أما الرّسالة (عبرانيين 2: 11-18) فقد قُرأت في برامون عيد الميلاد وهي تُقرأ اليوم، في السّاعة السّادسة بسبب الآيتين الأخيرتين عن يسوع الذي “كان ينبغي أن يكون شبيهًا بإخوته في كلّ شيء ليكون رئيس كهنة رحيمًا أمينًا فيما لله حتّى يُكّفر خطايا الشعب، لأنّه إذ كان قد تألّم مُجَرّبًا فهو قادر أن يُغيث المصابين بالتجارب”. مرّة جديدة نجد التركيز على آلام الربّ من أجلنا.
ثمّ نقرأ من إنجيل لوقا ( 23: 32-49) من الصّلب إلى موت يسوع.
السّاعة التّاسعة
في السّاعة التّاسعة، يبدأ المزمور ٦٨ بعبارات تتناسب والآلام: “خلّصني يا الله فإنّ المياه قد دخلت إلى نفسي…”. نرتل في هذه السّاعة “اليوم عُلّق على خشبة” مرّة ثانية أمام المصلوب.
الآية الثّانية في القراءة المأخوذة من سفر إرميا النبيّ (11: 18-12: 5، 9-10، 14-15) بالغة الأهميّة إذ تشير هي أيضًا إلى آلام الربّ “وأنا كخروف بريء من الشرّ مسوقٍ إلى الذبح…”.
ثمّ تحثّنا الرّسالة إلى العبرانيين على التمسّك بالإيمان والرجاء ذلك أنّ المسيح افتدانا بدمه ليفتح لنا أبواب الملكوت(10: 19-31): “إذ لنا ثقةٌ بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع طريقًا جديدًا حيًّا قد كرّسه لنا بالحجاب أي بجسده…”.
ويروي الإنجيل (يوحنا19: 23-37) الأحداث من اقتسام ثياب يسوع إلى طعن جنبه بالحربة.
ب-صلاة الغروب
تلي “السّاعات الملوكيّة” صلاةُ الغروب، وتُسمّى أيضًا خدمة “الدفن” أو “إنزال المصلوب”. فبعد المزامير والتراتيل تُقرأ ثلاث قراءات من العهد القديم.
القراءة الأولى من سفر الخروج (33: 11-23)، قال الله لموسى: “… فإذا جاز مجدي أجعلك في ثقب الصّخرة وأستر عليك بيدي إلى أن أعبر…”. في زمن موسى كان من المستحيل أن يعاين بشرٌ وجه الله، واليوم مع يسوع لا نرى فقط أنّ الله دخل عالمنا من خلال تجسّده وصار منظورًا، بل نراه أيضًا يدخل نطاق الموت ليحطّمه ويقيم المقيّدين فيه.
القراءة الثانية من سفر أيّوب وهي تنهي قراءات سفر أيّوب التي كنّا نقرأها خلال الأسبوع العظيم. نسمع قصّة ازدهار أيّوب في آخر أيامه ثمّ وفاته والإعلان عن قيامته: “… أنّه سيقوم مع الذين يقيمهم ربنا”. ونذكر أنّ بلايا أيّوب ثمّ تعزيته تصوّر مسبقًا آلام المسيح.
القراءة الثّالثة من نبوءة إشعيا المتعلقّة بالعبد المتألّم التي سبقت قراءتها في السّاعة السّادسة، نظرًا لأهميّتها.
بعد قراءات العهد القديم تأتي الرّسالة الأولى إلى أهل كورنثوس(1: 18- 2: 2): “نحن نكرز بالمسيح مصلوبًا، عثرةً لليهود و جهالةً للأمم… لأنّني حكمت ألاّ أعرف بينكم شيئًا إلاّ يسوع المسيح وإياه مصلوبًا”. من جديد نجد التّركيز على المسيح المصلوب الذي هو فحوى البشارة، فحوى الإنجيل.
يلي ذلك الإنجيل وهو أيضًا مجموعة نصوص تبدأ من تسليم يسوع الى بيلاطس وتنتهي بوضعه في القبر. في نهاية هذا الإنجيل وعندما يصل الكاهن إلى عبارة “أخذ يوسف الجسد ولفّه بكتّان نقيّ…” يُنزل المصلوب عن الصّليب، إن كان هناك من إمكانيّة (إذ هناك صلبان لم يُكتب (يُرسم) المصلوب عليها مباشرة، بل على خشبة أخرى لها شكل المصلوب، تعلّق على الصّليب الأساسيّ) ويلفّه بالكتان ويدخله إلى الهيكل، أو يلفّ الصليب إن كان المصلوب مكتوبًا(مرسومًا) عليه مباشرة.
في نهاية الصّلاة وعند ترتيل: “أيها المتردّي النور كالسربال…”، يقام زيّاح بالإبيتافيون (وهو قطعة مستطيلة من القماش رسم عليها المسيح ميتًا) يتقدّمه الإنجيل (لأن المدفون هو الكلمة) حتّى وسط الكنيسة حيث يوضع الإبيتافيون على “النّعش” المزيّن بالأزهار ويوضع عليه الإنجيل.
وبعد نشيد سمعان الشيخ: ” الآن تطلق عبدك أيها السيد…” تنتهي الخدمة بطروبارية: “إن يوسف المتقي أحدر جسدك الطاهر من العود…”
يوم الجمعة العظيم يجعلنا نقف وجهًا لوجه أمام يسوع المصلوب من أجل خلاصنا. فيه نقابل سرّ الفداء بالتّوبة وتلقّي المغفرة. فهذا اليوم لن يثمر فيّ إلّا إذا عشت توبة صادقة عند قدمَي يسوع وكان لي هذا اليوم يوم حزن مقدّس. وكما أنّه من قمة الصّليب أعلنت المغفرة إذ قال الربّ للّص: “اليوم تكون معي في الفردوس”، كذلك عليّ أن أجتهد لأحصل من شفتَي المخلّص على كلمة مغفرة.
وفي النّهاية يجب أن أضع الصّليب في مركز حياتي كأداة ظفر. جَعْلُ ذبيحة يسوع في مركز الحياة والفكر والإرادة، والنظر إلى البشر والأشياء من وجهة نظر الصليب، هذه هي التّوبة الحقيقيّة التي تفرض تغييرًا جذريًّا لكامل حياتنا. وحين يفهم المرء “مركزيّة” الصّليب يكون ذلك اليوم أهمّ يوم في حياته. فهل يكون لي يوم الجمعة هذا يوم ولادة جديدة؟
إعداد الأخت لبنى فارس الحاج

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share