ثلاثيّة الفصح المقدّس (6) – السّبت العظيم

الأخت لبنى فارس الحاج Friday April 14, 2023 189
1-تاريخيًّا
في سبت النّور، كانت تُقام خدمة السّحر باكرًا جدًّا، ولم يكن هناك صلوات أثناء النّهار بل كانت تُقام سهرانيّة تمتدّ من مساء سبت النّور إلى صباح الأحد حيث يُحتفل بقدّاس الفصح. ويتّضح من التّاريخ الكنسيّ أنّ المعموديّة كانت جزءًا أساسيًّا منها.
فالوثنيّون واليهود الذين كانوا يريدون اعتناق المسيحيّة، كانوا يخضعون لفترة تعليم تمتدّ من سنة إلى ثلاثة سنين، يتعلّمون فيها عقائد الإيمان المسيحيّ وكانوا يُعرفون بالموعوظين، لأنّهم كانوا يشاركون في القدّاس الإلهيّ حتّى الوعظة ضمنًا، ومن ثمّ يخرجون من الكنيسة لأنّه لم يكن يحقّ لهم بعد الاشتراك بالأسرار الإلهيّة.
ويتّضح لنا من خلال كتابات الرحّالة الإسبانيّة إيجيريا أنّ التّعميد أثناء الفصح كان متّبعًا في معظم الكنائس، إذ عندما تصف السهرانيّة الفصحيّة في أورشليم وكيفيّة تتميم سر المعموديّة تعلّق قائلة إنّ هذا مشابه تمامًا لما كان يحصل في كنيسة روما.
كان المزمعون أن يتقبّلوا المعموديّة يتوجّهون عشيّة السبت العظيم إلى بيت المعموديّة الواقع على مسافة صغيرة من الكنيسة ليتقبّلوا المعموديّة، في حين كان المؤمنون يتلون في الكنيسة خمس عشر قراءة من العهد القديم تتعلّق بالعماد والقيامة.
بعد اقتبالهم المعمودية، كان المعمّدون الجدد يخرجون من بيت المعمودية وهم مرتدون لباسًا أبيض وحاملون شموعًا تدلّ على استنارتهم ويدخلون الكنيسة وسط ترتيل”أنتم الذين بالمسيح اعتمدتم، المسيح قد لبستم”(غلا 3: 27).
وما زال أثر هذا موجودًا في قدّاس سبت النور وأحد الفصح، إذ نرتّل “أنتم الذين بالمسيح اعتمدتم…” عوض التريصاجيون “قدّوس الله…”. ومن هنا أيضًا نقوم بزياح بالشّموع مع ترتيل “أنتم الذين بالمسيح اعتمدتم…” في خدمة المعموديّة.
الارتباط العضويّ بين المعموديّة والقيامة يثبته أيضًا نصّ الرسالة الذي يُتلى في قدّاس سبت النّور وفي خدمة سرّ المعموديّة. يقول الرسول بولس:”أما تجهلون أنّنا كلّ من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته فدُفنّا معه بالمعموديّة للموت حتّى كما أُقيم المسيح من بين الأموات بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضًا في جدّة الحياة، لأنّه إن كنّا قد صرنا متّحدين معه بشبه موته، نصير أيضًا بقيامته”.(رو 6: 3-5). هذا النصّ نفسه كان يُتلى على مسامع المعمّدين الجدد.
هذا الارتباط بين المعموديّة والقيامة يظهر أيضًا بوضوح عند نهاية التّلاوة الإنجيليّة في قدّاس سبت النور إذ يقول الربّ للتّلاميذ: “إذهبوا الآن وتلمذوا جميع الأمم معمّدين إيّاهم باسم الآب والابن والروح القدس”(متّى 28: 29 ). هذا المقطع الإنجيليّ يُقرأ هو نفسه في خدمة المعموديّة الحالية.
هكذا يظهر بأجلى بيان ارتباط خدمة سبت النور كما نتمّمها اليوم بخدمة المعموديّة في الكنيسة الأولى، ويظهر أنّ خدمة سبت النور لم تكن منفصلة عن أحد الفصح، بل كانتا خدمةً واحدةً تتمّ في السهرانيّة الفصحيّة.
المعطيات التي تدلّ على إقامة المعموديّات في اللّيلة الفصحيّة تبدأ بالنقصان منذ القرن التّاسع لدرجة أنّها تنعدم كليًّا في المرحلة اللاحقة منذ القرن الثاني عشر وما بعد.
2-الزمن الحاضر
اليوم نحن نقيم قدّاسًا إلهيًّا صباح السّبت، ونطلق عليه اسم “قدّاس سبت النور”. هذا القدّاس كان يفتتح السّهرانية الفصحيّة ليلة السّبت-الأحد، ثمّ كان يقام قدّاس آخر صباح العيد. ولذلك هو يبدأ اليوم بصلاة الغروب التي تندمج مع قدّاس القدّيس باسيليوس الكبير.
تعلن تراتيل الغروب بداية غلبة المسيح على الجحيم والموت: “اليوم الجحيم تنهّدت صارخة: لقد كان الأجدر بي أن لا أقبل المولود من مريم، لأنّه لمّا أقبل نحوي حلّ اقتداري وسحق أبوابي النحاسيّة…فالمجد لصليبك يا ربّ ولقيامتك”.
كما تُقرأ في الخدمة ثلاث قراءات فقط من أصل الخمس عشر قراءة. القراءة الأولى تذكر قصّة الخلق، وهذا يناسب خدمة المعموديّة. فمعموديّة الموعوظين، هي لهم ولادة جديدة، خلق جديد، وهي أيضًا قيامتهم من بين الأموات.
القراءة الثانية تخبرنا عن يونان النبي الذي بقي في جوف الحوت ثلاثة أيّام وثلاث ليال فكان صورة لما سيتمّ مع المسيح.
أمّا قصّة الفتية الثّلاثة الذين طُرحوا في أتون النّار لأنّهم رفضوا السّجود لتمثال الذّهب، فتطالعنا بها التّلاوة الثّالثة، وهي ترمز إلى غلبة المسيح القائم من بين الأموات. أمّا نشيد الفتية الثلاثة فهدفه إشراك الكون بأسره في فرح القيامة.
الرّسالة هي للمعمودية كما سبقت الإشارة. بعد الرسالة يخرج الكاهن من الهيكل وهو يرشّ أوراق الغار على المؤمنين قائلاً: “قم يا الله واحكم في الأرض لأنّك ترث جميع الأمم”، إذ لا نطيق أن يبقى السيّد في القبر. وما نعنيه بهذا أنّ المسيح الحيّ والظّافر قد تمّ إعلانه ملكًا على أهل الأرض، وأنّنا مدعوّون بقيامته أن نصير بشرًا جددًا لا عيب فينا ولا دنس بل نكون لابسين فضائل الإنجيل. ففادينا قد انتصر وأتباعه منتصرون به ولا خوف عليهم. هذا البروكيمنن يُنهي كتاب التريودي ويضعنا على عتبة القيامة.
أمّا الإنجيل فهو أوّل نصّ يتحدّث عن القيامة في الأسبوع العظيم. هو يصف مجيء مريم المجدليّة ومريم الأخرى إلى القبر، وإعلان القيامة لهما على لسان الملاك، وظهور الربّ لهما أيضًا، واجتماع الكهنة اليهود ورشوة الحرّاس وأخيرًا ظهور يسوع الربّ لتلاميذه المجتمعين على الجبل وتفويضه لهم أن اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم معمّدين إيّاهم باسم الآب والابن والروح القدس…”
ننتظر في السّبت العظيم المقدّس يوم الفصح العظيم ونمتدّ إليه. يبقى أنّ شرط رؤيتنا إيّاه هو:”أن يصمت كلّ جسد بشريٍّ… ولا يفتكر في نفسه فكرًا أرضيًّا”. هذا التّحذير من الفكر الأرضيّ، الذي تُسمعنا إيّاه ترتيلة الدخول الكبير في القدّاس الإلهيّ والتي نقولها عوض الشّاروبيكون، أي أيّها الممثّلون الشاروبيم، يذكّرنا في آخر يوم قبل الفصح بأنّ التّوبة، كما ذقنا معانيها طيلة الأسبوع، هي تلك التي تمكّننا وحدها من التأهّب لاستقبال الفصح العظيم.
المصادر
1-إيجيريا يوميّات رحلة. أقدم النّصوص المسيحيّة. سلسلة النصوص الليتورجيّة 5. منشورات مجلس كنائس الشرق الأوسط.1987.
2-صلوات الأسبوع العظيم المقدس وأحد الفصح.
المراجع
1-شميمن،الأب ألكسندر. الصّوم الكبير.المنشورات الأرثوذكسية.طرابلس. 1986.
2-موسي، المطران سلوان. سرّ الآلام. إيماننا في الكلمة والأيقونة (3). تعاونيّة النور الأرثوذكسيّة للنشر والتوزيع.2007.
3-رعيّتي. أبرشيّة جبيل والبترون للروم الأرثوذكس.
إعداد الأخت لبنى فارس الحاج

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share