رهبة الموت

mjoa Monday March 21, 2011 399

ما من رهبة تقارَن برهبة الموت لأنه العدو وان كان من عداوات أخرى فهي مهيئة له. ولعل شيئا من الخصومة بيننا وبينه ناتجة من كوننا لا نستطيع أن ننتظره إذ لا نعرف اليوم ولا اللحظة اللذين يحل فيهما. يأتيك مرض رهيب وتبقى في الوجود ولا يأتيك مثل هذا وتخفى. أنسباء من مات وأصدقاؤه يحسون هذا الرحيل وكأنه قصاص ينسبونه إلى الله. هذا يعبرون عنه بقولهم إن “الله يميت ويحيي” إذ لا بد أن يحل حدث كهذا بأمر من كان سببا لكل شيء. أليست وظيفة الخالق أن يكون مصدرا لكل شيء والشيء يعني الوجود كما يعني العدم. غير أن هذا الاعتقاد يعني أن لله خطة في إلغاء الحياة كما له خطة في استمرارها. هذا يعني بصورة أبسط أن ربك منذ الأزل يمسك بدفتر سجل عليه اسمك وكتب عليه السؤال هو لماذا يهتم لك حتى تبلغ المئة أو أكثر أو لماذا يتخلى عنك كما تقول العامة. أليس الإقرار بالتخلي الإلهي إقرارا بتحيز الرب في هذا الأمر أو ذاك.

في الحقيقة لسنا نعرف المقاصد الإلهية إذ تركنا في السر الكامل أمام حدث لا مهرب منه. أعترف أن هذا مخيف لكن كثافة الخوف تزداد عندنا إذا اعترفنا أن الرب سبب انخطافنا عن هذا الوجود وتتغير مواقفنا كليا إذا آمنا ان الله يحب استمرارنا في الوجود وليس له موقف اعتباطي ولا يملك دفترا يفتش فيه عن اسمك وزمان رحيلك لأنه ليس بمزاجي ويبقى على صعيد العاطفة البشرية الموت محجوبا سره عنا وقد ينكشف السر في اليوم الآخر.

•••

في سورة الزمر، الآية 48: “الله يتوفى الأنفس حين موتها” تمييز بين فراق النفس عن الجسد والتوفي الذي يقوم به الله. هذا القسم من الآية يبدي أننا أمام أمرين: الأمر الأول: موت النفوس وتوفي الله النفوس التي فارقت. يستعيد الله من النفس وديعته. هذا هو عمله. أما بأي سبب تعود إليه من اصطفافها في الطبيعة فهذا سؤال لا يبدو أن ثمة جوابا عنه.

أنا لا دخل لي في حديث القضاء والقدر. أتمسك بقراءة مستقلة تبين لي الفارق بين الوفاة وما يسميه الكتاب “موت الأنفس” لأقول أن النفوس تذهب إلى الله كما تذهب ويتقبلها الله برحمته وكل شيء عند المؤمن هو هذا التقبل.

ولا يتعزى المؤمن إذا شرحت له السبب البيولوجي للحدث. انه على فهم نسيبه أو صديقه ذلك، الحزن حزن وفي الحقيقة إن المعرفة البيولوجية للفراق ترجيح والترجيح العلمي لا يعزي لأن حبيبك قد ذهب وما كنت تريده أن يذهب.

القصة كلها انك لا تحب الغياب. الألم أن من كان في عينيك أمسى خارجا عن النظر وكل شيء هو اللقاء الدائم في العيون وفي باقي الحواس. الوجود هو في اللصوق. لا أحد يصالح الغياب ويبقى الانفجار على مقدار الحب ولا يقوم الكون على قاعدة الفهم العقلي والبكاء تسجيل لعدم الفهم.

إذا جعلت ميتك في حالة انحسار عن ناظريك وذاكرتك يكون هذا بدء تحررك من صورة له قابضة عليك ولا ينفع ان تنقله من بصرك إلى بصيرتك إذ يبقى هذا انكماشا لك فيه ويختزن عناصر موات فيك. أنت عليك أن تتحرر من الأموات لأن حياتك فقط في الله. إذا جعلت المائتين في رعاية الرب أي في حقيقة محبته تكون قد رفعتهم إلى الحق. لقد سمعنا كثيرا في مآسي الحرب: هذا الشهيد أو ذاك فينا. إذا كان هذا القتيل أو ذاك حيا فيك فأنت عبده. أنت مدعو إلى الحرية من كل الأموات واللقاء بينكم هو فقط في الصلاة أي في حركة دفعك إياه إلى ربك إذ لا يحتاج هو إليك ولكن إلى انعطاف الله عليه.

ما يسميه المسيحيون شركة القديسين لا علاقة له بتذكر الأحياء للذين ذهبوا. هي المشاركة في القداسة فقط. الكنائس التي تؤمن بالاستشفاع ليس فيها ارتكاز على الانفعال العاطفي. انه الارتكاز على الروح القدس الذي يطهر الأرواح كلها ويؤلف منها كنيسة واحدة. الجهد الذي لا بد من بذله تأسيسا على ما قيل هو أن نرى الميت الذي نعز متكئا على صدر المعلّم فإن العشاء السري مستمر وفي انسلاخنا عن هذا العالم نستمع إلى قلب السيد ويبدأ الفهم ويصعدنا إلى الآب الذي في حضرته نتكئ على الرحمة التي هي مجالنا عنده. في الملكوت نذوق القيامة شيئا فشيئا. القيامة ليست زمنا. هي حنان وإذا كنا نرجو هنا الغفران فإنه ينزل علينا مذ ارتحال النفس عن الجسد إذ لا يمكن عند الافتراق أن نكون أمام العدم. منذ اللحظة الأولى نحن في الرؤية تأكلنا القيامة بحيث نبدأ الدخول إلى الفصح.

فصحيتنا ليست مرجأة لكن الفصح الواحد المشترك يعلن في القيامة الأخيرة ليسطع حب الله علينا وحبنا له.

من هذا المنظار المجد ليس مجزأ. انه سعة متسعة. من قدر أن يعيش هذا بقناعة تامة لا يموت.

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share