القدّيس نيفون بطريرك القسطنطينيّة (+1508)

mjoa Friday August 11, 2023 97

وُلد القدّيس نيفون في البليوبونيز لأبوَين نبيلَين فاضلَين وأُعطي اسم نيقولاوس. كان أبوه مستشارًا لأمير دالماتيا، وقع ضحيّة الوشايات فحُكم عليه بالموت. أطلقت سراحه زوجة الأمير، فلجأ إلى البليوبونيز حيث صار مستشارًا أولّاً لأمير موريا، توما بالييلوغوس.
مجّ نيقولاوس اللّعب، منذ نعومة أظفاره، وانكبّ على دراسة الكتب المقدّسة والآباء المتوشّحين بالله. أتقَن ترتيب الخِدم الليتورجيّة وهو في الثانية عشرة. أثار إعجاب معلِّمه لحدّة ذكائه. نزع إلى اتّباع مثال الرّهبان القدّيسين الذين قرأ سيَرهم بشغف. مرّ به راهب اسمه يوسف تجاذب معه الحديث وتبعه دون أن يودّع والدته وأقرباءه، ولمّا بلغ أبيدافرا، سمِع عن ناسك معروف تقدّس اسمه أنطونيوس، ذهب لزيارته أُعجب بطريقة حياته وتعليمه. لفتَه أنطونيوس إلى صعوبة الحياة النسكيّة. حظي ببركة بقائه لديه، بعدما أصرّ بدموع، أمّا يوسف الرّاهب فواصل طريقَه. عَمَلُ طاعة الطالب الجديد كان الخطّ. أقبل بهمّة على أعمال النسك، أطاع الشيخ طاعة كليّة واجتهد أن يقتدي بسيرته الملائكيّة في التفاصيل.
ألبَسه أنطونيوس الثوب الرّهبانيّ بسرعة وأعطاه اسم نيفون. مذ ذاك ضاعف جهوده، ولم يكن أحد يراه يضحك البتّة أو تخرج من فمِه كلمة بطّالة. لم يكن يقرأ إلاّ بدموع. بعد فترة قصيرة رقَد أنطونيوس بالربّ، فخرج نيفون يبحث عن أب روحيٍّ جديد. سمع براهب آثوسيّ فاضل حكيم اسمه زخريا، يقيم في مدينة أرثا، فذهب إليه وطلب منه أن يعلّمه طريقة الحياة في الجبل المقدّس. لكن حصلت الاضطرابات في الكنيسة نتيجة الوحدة الزائفة، الآتية من مجمع فلورنسا. تبع القدّيس نيفون شيخه إلى نواحي عسقلون وكروغيا في ألبانيا سعيًا إلى تثبيت الشعب في الإيمان الأرثوذكسيّ.
بعد سقوط القسطنطينية لجأ القدّيسان إلى الجبل المقدّس، وبعد عودة الهدوء رجعا إلى أوخريدا حيث أقاما في دير والدة الإله، ومن ثمّ رُسِمَ أبوه الروحيّ أسقفًا على أوخريدا فترَكَه نيفون وخرج إلى الجبل المقدّس، وهناك شرَع يعلّم، فأثار بتعليمه إعجاب الرّهبان الآثوسيّين لعمق معارفه، ثمّ اعتزل في دير ديونيسيّو، حيث اقتبل الإسكيم الرهبانيّ وسيم كاهنًا. بعد رقاد متروبوليت تسالونيكي، اختار الإكليروس والشعب نيفون خلَفًا له. شرَع يبشّر بالإيمان الأرثوذكسيّ إصلاحًا للأخطاء المدسوسة. كان عزاء للشعب المسيحيّ الرازح تحت النير العثمانيّ. وكان يتردّد على بيوت البائسين ليوزّع الإعانات، ونجح بمواعظه في هداية العديد من غير المؤمنين.
في العام 1486، انتخب بطريركًا للقسطنطينية، استعادت الكنيسة الأرثوذكسيّة فرَحَها بسبب هذا المدافع الغيور. تعرّض للنفي على يد الدولة التركيّة، فلجأ إلى دير السابق المجيد في سوزوبوليس في تراقيا، بعد مصادرة كمّية كبيرة من الأواني الكنسيّة المقدّسة وأُطلقت حملة اضطهاد على الكنيسة وألقت العديد من الإكليروس في السجون، بقي في النفي سنتين يسأل الصفح لأعدائه.
إثر الفترة البطريركيّة الثانية التي قضاها القدّيس ديونيسيوس الأوّل وكذلك مكسيموس الرّابع، استُدعي نيفون ليتسلّم كرسيّ القسطنطينية. كان هذا في أواخر العام 1497م. وجد الكنيسة هناك في اضطراب عرضة لفضائح جمّة. ذات يوم التقى البطريرك في الشارع السلطانَ وموكبه. حيّاه دون أن يبدي في حضرته الإكرامات التي يفرضها العُرف. للحال جرت إقالته مرّة أخرى، ورُحِّل إلى أدرينوبوليس، وصار ممنوعًا عليه التعليم. توسّط الأمير الفالاخي رادو الكبير لدى الدولة التركيّة فسُمح لنيفون بالإنتقال إلى ما وراء الدانوب ليتسلّم زمام الكنيسة الهنغاريّة ويعمل على إصلاح وتعليم الشعب والإكليروس الناموس الإلهيّ وكان ذلك في العام 1503م. دعا إلى اجتماع للشعب والبويار واقترح تدابير اعتبرها ضرورية لتقويم الأخلاق المفسَدة نتيجة الممارسات السيّئة والإعتقادات الفاسدة. بعد فترة حدث خلاف مع الأمير فارتحل مع تلميذَيه، مكاريوس ويواصاف، إلى مقدونيا حيث أقام لبعض الوقت يعلّم الشعب المسيحيّ. أخيرًا عاد إلى الجبل المقدّس فاستقبله رهبان فاتوبيذي بفرح. بعد قليل من استشهاد تلميذه مكاريوس التسالونيكي، ترك الدير سِرًّا وتحوّل إلى دير ديونيسيّو متخفّيًا، غير أنّ الربّ أعلن لرئيس الدير مَن هو هذا الغريب العظيم في سيرته وجهاده ورتبته الكهنوتيّة، فأمر بإعداد العدّة لاستقباله كبطريرك القسطنطينية، فلمّا عاد من عمَله الذي كان يمارسه في الدير، كانت الشِّركة كلّها في انتظاره بالباب على قرع الأجراس، إكرامًا لرتبته، فلمّا طالعه المشهد انطرح أرضًا والدموع في عينَيه وسأل الإخوة الصفح لأنّه خدعهم. ولمَع القدّيس في الجبل بسبب تعليمه وعجائبه إلى أن بلغ التسعين سنة، وإذ درى بمغادرته هذه الأرض دعا كلّ الإخوة وحضّهم على اليقظة في اتّباع القواعد التراثيّة للحياة الرهبانيّة وأن يجاهدوا بغيرة ليُحسبوا أهلاً لملكوت السموات. وبعدما باركهم وسألهم العفو، رقد بسلام في الربّ في 11 آب في العام 1508م.

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share